عبد الكريم بن ابراهيم الجيلي
79
قاب قوسين وملتقى الناموسين في معرفة سيد الكونين
ومنه يتوجه إلى بقية المخلوقات بقدر قوابلهم ، فهو كل الوجود وله كل شيء . وما أحسن قول الإمام عبد اللّه اليافعي رضي الله عنه في مدحه صلى اللّه عليه وسلم حيث يقول : يا واحد الدهر يا عين الوجود ويا * غوث الأنام وهادي كلّ حيران ولما كانت قابليته صلى اللّه عليه وسلم كليّة ، وقابلية سائر الأكوان من المرسلين والنبيّين والملائكة المقرّبين وسائر الأولياء الصدّيقين وغيرهم من المؤمنين الصالحين وسائر الأكوان جزئية كانت قاصرة بالطبع عن درك شأوه المنيع ، عاجزة عن اللحوق بشأنه الرفيع ، ولما علمت ذلك الأنبياء والأولياء ؛ وضعت الرؤوس خضوعا على باب عزّه العالي ، وحطت رقابها على أرض المذلة لمجده الشامخ السامي ، وذلك معنى أخذ اللّه تعالى على الأنبياء العهد لتؤمننّ به ولتنصرنه . قال اللّه تعالى : وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيِّينَ لَما آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قالَ أَ أَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلى ذلِكُمْ إِصْرِي قالُوا أَقْرَرْنا قالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ [ آل عمران : 81 ] . ثم إن جميع الأولياء والمقرّبين مع علو شأنهم إنما يترقون ويعرجون بالاستمساك بحبل عروته الوثقى . ولهذا قال الجنيد رضي الله عنه « 1 » : انسدّ كل باب إلى اللّه تعالى إلا باب محمد صلى اللّه عليه وسلم فلا طريق إلى
--> - كان زمانيّا لزم ما ذكرت ، نعم الاحتياج باق ، والتخلص منه بأن يقال أن هذه الأعيان عينه تعالى من وجه ، فلم يفتقر إلى غيره ، وهنا سر إن كنت عارفا فلا يخفى عليك . وانظر : كشف الأسرار ( ص 185 ) ، بتحقيقنا . ( 1 ) هو الولي الكامل العارف باللّه تعالى أبو القاسم بن محمد الجنيد سيد الطائفة رضي اللّه عنهم ، قال عنه الشيخ الأكبر رضي الله عنه : هو سيّد الطائفة ، وكان من الفقهاء المعتقدين الشافعية ، تفقّه على أبي ثور ، وكان يفتي بحضرته وهو ابن عشرين سنة ، لم تزل أعناق الفريقين له خاضعة ، وعلى تبجيله مجتمعة . أخذ التصوف عن خاله السري السقطي والحارث المحاسبي رضي اللّه عنهما ، وتحدّث عن ذلك قائلا : قال لي شيخي السري : إذا قمت من عندي فمن تجالس ؟ فقلت : المحاسبي . قال : نعم ، خذ من -